المخيم

الرقة تذبح بصمت

للمرة الأولى أخرج من مدينتي الحبيبة مكرهاً بعد أن خلعوا عني داري بقوة السلاح ومقايضتها بالحياة التي كادت أن تنتهي بغارة جوية أو لغم أرضي أو رصاصة قناص خلال الأيام السبعة الماضية التي مرت في براري ريف الرقة الشمالي خلال رحلة لا يمكنك أن تحدد نهايتها او وجهتها طالما أن لاضمان للحياة او ما تبقى من الجسد، لثانية قادمة.

لم اعرف مرارة التهجير طالما سمعت وقرأت عنها الكثير، كنت اعيشها بين حروف من كتبوا ورحلوا، في صور الاطفال والنساء وضنكة العيش حيث لا تملك في الدنيا إلا ما يغطي جسدك، جسدك ايضا ليس ملكا لك! قد ينتهي به المطاف في قبر لا يُعرف مكانه إلا من غطاه بالتراب، فهنا لا معولاّ ولا حجارةّ تعزل عن جبينك التراب، لايمكن الحصول على تابوب او من يقرأ على روحك الفاتحة، لا أهل يزرونك في العيد ولا صديق يرمي عليك الورود، هذا كله إن لم يقع عليك الأقسى من ذلك وتفقد شيء منك، ساقٌ أو يد، ربما ساقين او عينين، هكذا هي الحروب، الناج منها مدفون بالحياة.

رغم ذلك كله، لم يكن ماهو مفترض أن يكون لي “جسدي وروحي” هو همي بقدر ما كان الهم الإجتماعي هو الأكبر والأسوء حين تلتف حيث ماتنوي الهروب ولا تنظر عينيك إلا على ماهو أقسى! امرأة تشد وثاق أبنائها الخمسة بحبال وتحمل أخر على صدرها، شاب يحمل والدته على ظهره وأخر يحمله في حضنه، بنات في العشرينات من اعمارهن حفاة يغطي وجوههن السواد، سواد في سواد، كيوم المحشر، يتدفقون بعنف وقوة كفراتهم إلى حيث لايدرون هربا من الموت إلى العدم، ماخلفهم ماهو امامهم ولكن غريزة البقاء تعلوا كل شيء.

الخيمة، ترتفع قيمة الانسان وتهبط بوجودها، اصبحت هي الارض والبيت والوطن، اصبحت هذه القطعة القماشية أغلى مايملك الانسان وأكثر مايدافع عنه، وعلى أساسه يبني ماتبقى من ضروريات العيش كما كان يحاول رجل سبعيني إقناع ولديه وزوجته بقبول الواقع والتعايش معه: “اليوم لدينا خيمة، ننام على الأرض إن وجدنا أرضاً أمنة، وغدا يفعل الله مايشاء، قد نجد بطانيات ثم “اسفنج” ومع الأيام نستطيع جمع ماتبقى إلى أن تذهب الأمانة إلى صاحبها اما تلك البلاد فلا عودة إليها في الوقت الحالي على الأقل،، وصمت”. إلى أن توفاه الله دون أي علامات سابقة ودون أي شكوة منه، إلا القهر والكبت الذي لا طاقة لمخلوق عليه، هكذا مات الرجل ودفن وتابع سيل البشر مسيرهم إلى الشمال الذي قيل عنه آمن.

التاريخ يعيد نفسه والحماقات ذاتها، مع كل لحظة تمر، أذكر تفاصيل لاحقة وماستؤول إليه الامور بعد تراكم النكبات والكوارث علينا التي طُبعت حروفا وبيعت كلاما في المكتبات التي كان لي نصيب جيد منها، حين حاولت في وقت سابق ان اعيش التعاسة التي عاشها الناس في البلاد المنكوبة.

تحاصرنا سيارات “الآساييش” من كل الجهات ويقودنا أحدهم إلى “المخيم”، هكذا يسمى معسكر الاعتقال الذي يشبه إلى حد كبير معتقلات النازية التي وصفتها عشرات الكتب، لكننا لسنا يهود هكذا صرخ احدهم علينا، اليهود لديهم مايعملون عليها ومايطالبون به! انتم ماذا لديكم غير داعش؟ حرمت عليكم العودة وحرمت عليكم تلك المدينة كما حرمت امهاتهم ونسائكم عليكم اذهبوا وابحثوا عن وطن أخر يأويكم هذا إن وجدتم! ختم حديثه وبدأ الناس يدخلون إلى “المخيم” بعد حملات تفتيش دقيقة لا تبقي لأحد شيء الا ثيابه وخيمته المتردية. هكذا نحن! وتأتيكم الصور كيف ملائكة الرحمة يحملون أطفالنا ويشغلون السجائر لنسائنا، هكذا يكون المشهد وسيتوارثه الأجيال يوما بعد يوم حتى يصبح المخيم “مدينة” ويلعنك ابنائك واحفادك وكل من سيليهم ويعاودون الكرة في ثورة أخرى تقوم على اخطائنا التي ورثوها عنا كما فعلنا نحن قبل سنوات.

مرت أيام طويلة كانت اقسى من تلك التي قرات عنها، لم تكن لدي قدرة لفعل شيء، الرصاصة او الاعتقال والإهانة امام الناس والخروج من هنا لا يجوز إلا بكفيل من ابناء المنطقة، والعجيب أن ميلادي واصلي وحتى أرضي في هذه المنطقة لكن التزكية من احد المقربين لهم هي التي تفصل بيني وبين جدار المخيم الذي خرجت منه مؤخرا بعد عذابات طويلة لم يخطر في بالي يوما ان اطأطئ رأسي لاحد بهذا الحجم بهذا الانخفاض الاخلاقي، لايمكن ان تزور هذه المقبرة التي تسمى مخيم وتخرج كانك لم تدخل، الناس الذين تركتهم هناك يأكلون مخيلتك واحلامك، يسلبونك وقتك، يخطفون كل ابتسامة طائشة تمر ثغرك، حتى إن خرجوا، هناك وجع انساني لايمكن علاجه هناك اهانة وانحطاط هناك ردائه وقذراة لايغسلها الا الموت.

هناك المخيم وهناك من بقي منهم، او كلهم،،، كلهم تعني الآلاف وعشرات ومئات على إمتداد المحافظة المنكوبة، من شرقها إلى غربها وشمالها، أين ماوليت وجهك تجد سيل من الناس ومخيم ومعتقلون، نساء واطفال، قهر يأكل الجغرافية والتاريخ قبل أن يأكل النفوس ويقضي على اصحابها، هكذا تكون النكبات والمصائب وهكذا نعيشها واقعاً خارج الكتب والكلمات.