لماذا عاد “داعش”؟

عبد الناصر العايد – المدن

لم يمض سوى خمسة أشهر على إعلان الرئيس الأميركي هزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية”، حتى أعلن مفتش عام في وزارة الدفاع الأميركية إن “داعش يعاود الظهور في سوريا وعزز قدراته في العراق”، وأعقبه تصريح لوزير الخارجية الأميركية قال فيه إن “داعش بات أقوى اليوم مما كان عليه قبل ثلاث أو أربع سنوات في بعض المناطق من سوريا والعراق”. وتكررت تلك الإعلانات من قادة عسكريين حلفاء، كان آخرهم تحذير قائد “قوات سوريا الديموقراطية” مظلوم عبدي من عودة مرتقبة للتنظيم.

وتزامنت تلك التصريحات مع تصاعد الحرب ضد الاستراتيجية التوسعية لإيران في المشرق، ما يدفع إلى الاعتقاد بأنها تأتي في سياق تقديم الذرائع لإبقاء القوات الاميركية في سوريا والعراق. لكن تفحص المعطيات الميدانية، يؤكد أن ما ذهب إليه المسؤولون الاميركيون، صحيح، وصحيح أيضاً إن تصريحاتهم تستهدف إيران، فهي في صلب قضية “عودة داعش” المرتقبة أو الواقعة فعلاً.

الحقائق الميدانية



في آب/أغسطس الماضي، في ريف ديرالزور الواقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” و”التحالف الدولي”، قُتِلَ 27 شخصاً بنيران مجهولة يعتقد أنها تعود لخلايا تابعة لـ”داعش”. وقُتِلَ 11 شخصاً بعبوات ناسفة، زرعها مجهولون، في حين قُتِلَ 7 مدنيين بعمليات ذات صلة، مثل مطاردة عناصر من التنظيم.

أما في محافظة الحسكة، فقد تبنى “داعش” في آب تفجير ما لا يقل عن 7 دراجات ملغومة، وثلاث سيارات مفخخة، نجم عنها مقتل 8 أشخاص، وجرح عدد أكبر من ذلك.

في الرقة التي تسيطر عليها “قسد” أيضاً، فقد قتل في آب ما لا يقل عن 13 عنصراً من “قسد” بعمليات اغتيال، بينهم قائد الشرطة في المدينة، فيما قتل 3 موظفين مدنيين في حوادث متفرقة، بإطلاق النار عليهم من مجهولين أيضاً.

مناطق سيطرة النظام غربي نهر الفرات، شهدت 8 هجمات متفرقة، شنتها قوات تابعة للتنظيم تتخذ من جيوب في البادية منطلقاً لها. وتركزت الهجمات على نقاط النظام في فيضة ابن موينع جنوبي البوكمال، ومدينة البوكمال، ومدينة المياذين، وبلدة القورية، والسخنة قرب تدمر. وقُتِلَ في تلك العمليات 13 ضابطاً وجندياً من قوات النظام، و5 عناصر من مليشيا “زينبيون” التابعة لـ”فيلق القدس” الايراني، و”حاج” إيراني واحد بتفجير عبوة ناسفة في عين علي.

وبذلك تكون الحصيلة المؤكدة لضحايا عمليات التنظيم في سوريا ما لا يقل عن 82 شخصاً.هذا عدا عن وقائع أخرى لافتة للانتباه، كجباية التنظيم لأموال الزكاة من مزارعين وتجار بشكل سري، وتحت التهديد بالقتل، خاصة تجار النفط الذين يشترون النفط من “قسد”. التنظيم علّق أسماء مئات الأشخاص من المنتسبين لـ”قسد” والعاملين في هيئات “الإدارة الذاتية”، وطلب منهم ترك أعمالهم فوراً وإعلان توبتهم في المساجد، واستجاب لهذا الطلب العشرات. وقتل عدد ممن رفضوا الانصياع بينهم رئيس مجلس بلدي وقادة وعناصر من “قسد”.

كيف عاد التنظيم؟


لم يتم القضاء على التنظيم، بل تم تدمير بناه الرسمية المعلنة “الدولة”، أما قوته البشرية من عناصر وقيادات ومنظرين ومخططين ومتعاطفين، فما زال منهم العدد الكافي لاستمراره. وأعضاء التنظيم ينتشرون في بادية الجزيرة السورية، حيث ما يزال التنظيم يسيطر على مساحة شاسعة في بادية الروضة، وشمالي الباغوز على الحدود العراقية، أو في الجيوب الصحراوية الأخرى التي تقع داخل مناطق سيطرة نظام الأسد، من فيضة ابن موينع وجبل البشري والسخنة وتدمر وصولاً إلى السويداء.

كما أن منهم من تخفى في مناطق تمركز فيها التنظيم طويلاً منذ نشأته مثل بعض بلدات ريف ديرالزور الشرقي التي كانت آخر مناطق سيطرته التي تمسك بها، ومنهم المحتجزون في مخيم الهول وسجون “قسد” المكتظة، حيث يستطيع القادة والمخططون ارسال أفكارهم ومساهماتهم سواء عبر وسائل الاتصال المتوفرة، او بالاتصال الشخصي عن طريق آلاف المفرج عنهم من عناصر التنظيم السابقين. والفئة الأخيرة أيضاً لا يستهان بقدراتها ولا بصلتها مع التنظيم سواء ادعت أنها تلتزم بيوتها وتعتزل التعامل مع التنظيم وفكره، أو من انخرط منها في صفوف “قسد” كعسكريين او أمنيين. إذ ألقي القبض مؤخراً على خلية داعشية في الباغوز، اثنان من عناصرها يعملان كجنود في “قسد”. كما أعاد “التحالف الدولي” اعتقال العشرات من المفرج عنهم بعد تعهدهم اعتزال العمل مع التنظيم خاصة في محافظة الرقة.

هذا عدا عن كتلة كبيرة من الدواعش السابقين الذين أعلنوا توبتهم ويعيشون في مناطق سيطرة نظام الأسد، أو يقبعون في معتقلاته، تحت اشراف أجهزة مخابرات النظام والمخابرات الايرانية، البارعة في تجنيد واستخدام هؤلاء، خاصة لمناهضة الوجود الاميركي، منذ احتلال أفغانستان والعراق مطلع الألفية الثالثة.

من ناحية أخرى، استعد التنظيم من خلال خبرة قادته الطويلة بمسارات التنظيمات الجهادية، لهذه المرحلة شبه الحتمية، وأسس منذ انطلاقته تنظيماً أمنياً سرياً موازياً؛ “الولايات الأمنية”. هيكلية واستراتيجية هذا الكيان السري تقوم على حفظ بقاء التنظيم، وتطوير امكانيته، ريثما تحين الظروف الملائمة لانبعاثه مجدداً.

أما من الناحية المالية، فإن التنظيم الذي كان غنياً لأربع سنوات، سيطر فيها على ثروات هائلة، يمتلك بالتأكيد مدخرات تمكنه من البقاء على قيد الحياة. وقدر مركز “راند” أن التنظيم لا يزال يمتلك 400 مليون دولار مخبأة بأشكال مختلفة في سوريا والعراق وحتى في دول مجاورة. فالعمليات الأمنية الحالية منخفضة الكلفة، ويؤكد ذلك أن التنظيم لم يلجأ بعد لابتزاز السكان في المناطق التي يهيمن أمنياً عليها، ولم يلجأ بعد إلى عمليات سلب ونهب. وباستثناء فرض الزكاة على بعض المناطق، لم يعرف عنه أي سلوك ينم عن حاجته للمال في الوقت الحاضر.

لماذا عاد التنظيم؟



أبرز أسباب بقاء التنظيم حياً وفاعلاً كـ”تنظيم سني متشدد”، تتعلق مباشرة بالتمدد الايراني المقنع بلبوس شيعي. تمدد مدعوم بأدلة داميّة، وخراب من الموصل العراقية إلى حلب ودمشق وحمص والرقة وديرالزور، وغيرها من الحواضر السُنّية. الأمر الذي أوصل “الجماعة السنيّة” في سوريا لمرحلة من الغضب باتت تنتظر فيها فقط الإطار الذي يوحدها ويمنحها رؤية مناسبة، ضمن قيادة فاعلة.

من جانب آخر، يبدو أن الصراع العربي-الكردي في مناطق سيطرة “قسد” بات عنصراً مؤثراً في إعادة إحياء “داعش”. الهيمنة الكردية ضمن “قسد” وتهميش العرب في “الإدارة الذاتية”، والتعاطي معهم فقط من المنطق العشائري القبلي، صار حاملاً للمظلومية العربية، التي باتت تجد لنفسها تعبيراً في المظلومية السنيّة. فوجود العشائر العربية ذاتها بين مناطق سيطرة النظام و”قسد”، وهيمنة المليشيات الإيرانية في الأولى و”وحدات الحماية” الكردية في الثانية، وحّد الأزمة في وجه واحد لها؛ المظلومية السنيّة.

الترابط بين القضاء على داعش ودحر إيران



بالعودة إلى الإعلانات الاميركية عن عودة “داعش” وصلتها بالحرب شبه المعلنة على إيران في المنطقة، ثمّة ترابط وثيق بينهما في الواقع. فالحركات الإسلامية المتطرفة بعيد الغزو الاميركي للعراق، ظهرت بدعم مؤكد من النظامين السوري والإيراني، وسط خشيتهما من وصول التغييرات الكبرى إليهما. ورعى النظامان بالتغذية الايديولوجية تلك الحركات المتطرفة، من خلال سياستهما الطائفية التوسعية في المنطقة، ما دفع المجتمعات السنيّة في العراق وسوريا إلى جدار التمركز على الذات واللجوء إلى العمل المسلح العنيف كأسلوب وحيد للحماية. وهو ما يعاد انتاجه اليوم من خلال النهج غير المتوازن في التعامل مع القضية، والذي سمح للمليشيات الايرانية بمزيد من التمدد. وهو الأمر الذي يستدعي تلقائياً مزيداً من “التمركز” السني العنيف.

حلقة مفرغة يصعب الخروج منها ما لم يتم تحطيم قطبيها المركزيين، ما يفسح المجال للقوى الديموقراطية بالعمل في هذا “الفراغ” السياسي الحالي.

المصدر : المدن